صديق الحسيني القنوجي البخاري
5
فتح البيان في مقاصد القرآن
وعن ابن عباس قال : الروح أمر من اللّه وخلق من خلق اللّه وصورهم على صورة بني آدم وما ينزل من السماء ملك إلا ومعه واحد من الروح ، ثم تلا يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا [ النبأ : 38 ] . ومن في مِنْ أَمْرِهِ بيانية أي ناشئا ومبتدئا من أمره أو صفة للروح أو متعلق بينزل عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ يعني من يصطفيه للنبوة والرسالة وتبليغ الوحي إلى الخلق وهم الأنبياء ؛ ووجه اتصال هذه الجملة بما قبلها أنه صلّى اللّه عليه وسلّم لما أخبرهم عن اللّه أنه قد قرب أمره ونهاهم عن الاستعجال ترددوا في الطريق التي علم بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بذلك ، فأخبر أنه علم بها بالوحي على ألسن رسل اللّه سبحانه من ملائكته . أَنْ أَنْذِرُوا قال الزجاج أي ينزلهم بأن أنذروا أو المعنى بأن الشأن أقول لكم أنذروا أي أعلموا الناس . وعبارة البيضاوي وأن مفسرة لأن الروح بمعنى الوحي الدال على القول أو مصدرية في موشع الجر بدلا من الروح ، أو النصب بنزع الخافض أو مخففة من الثقيلة . أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا أي مروهم بتوحيدي وأعلموهم ذلك مع تخويفهم لأن في الإنذار تخويفا وتهديدا والضمر في أنه للشأن فَاتَّقُونِ رجوع إلى مخاطبتهم بما هو المقصود ، والخطاب للمستعجلين على طريق الالتفات وهو تحذير لهم من الشرك باللّه والفاء فصيحة . وفي الشهاب إذا كان الانذار بمعنى التخويف فالظاهر دخول فاتقون في المنذر به لأنه هو المنذر به في الحقيقة ؛ وإذا كان بمعنى بالإعلام فالمقصود باعلام هو الجملة الأولى ، وهذا متفرع عليها انتهى . وفيه تنبيه على الأحكام الفرعية بعد التنبيه على الأحكام العلمية بقوله أنه لا إله إلا اللّه ، فقد جمعت هذه الآية بين الأحكام الأصلية والفرعية . ثم إنه سبحانه لما أرشدهم إلى توحيده ذكر دلائل التوحيد فقال : خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أي أوجدهما على هذه الصفة التي هما عليها بِالْحَقِّ أي للدلالة على قدرته ووحدانيته ، وقيل المراد بالحق هنا الفناء والزوال تَعالى اللّه عَمَّا يُشْرِكُونَ أي تقدس وترفع عن إشراكهم أو عن شريكه الذي يجعلونه شريكا له ، وقيل عما يشركونه من الأصنام أو منهما أي السماوات والأرض . ثم لما كان نوع الإنسان أشرف أنواع المخلوقات السفلية قدمه وخصه بالذكر فقال خَلَقَ الْإِنْسانَ وهو اسم لجنس هذا النوع مِنْ نُطْفَةٍ أي من جماد يخرج من حيوان وهو المني فقلبه أطوارا إلى أن كملت صورته ونفخ فيه الروح وأخرجه من بطن أمه إلى هذه الدار فعاش فيها ومن لابتداء الغاية وانتهاؤها محذوف كما قرره الكرخي